بيان حول الأزمة العالمية وتأثيراتها على الواقع التونسي


تعيش القرية الكونية هذه الأيام إحدى فتراتها الصعبة والجوهرية بما برز للعيان مدى عمق الأزمة وخطورتها حيث عصفت ولا تزال بمؤسسات عريقة، وأطاحت بمشاريع ضخمة، وهزت قناعات وأسس كانت تبدو صلبة، وزعزعت استقرار وحكومات متينة، ودفعت بلادا بأسرها إلى إعلان الإفلاس.
وليست تونس بمنأى عن هذه الأزمة الخانقة نظرا لتواصلها الطبيعي اقتصادا واجتماعا وثقافة مع من حولها، ولارتباط اقتصادها بالعالم من خلال أواصر العولمة واتفاقات الشراكة، ولتوجهات سلطاتها القائمة وحكوماتها المتتالية نحو لبرلة متعاظمة لاقتصادها.
وأمام هذا التشابك والتداخل العميق لاقتصادها فإن من غير المعقول ولا المقبول قبول منطق استبعاد التأثيرات المستقبلية لهذه الأزمة على الاقتصاد التونسي ولا التهوين من إنعكاساتها على المقدرة الشرائية للمواطنين و على موارد رزقهم.
في هذه اللحظة الحساسة ومن منطلق الغيرة على الوطن والمساهمة في تجاوز هذه الأزمة الخطيرة، وبما يسمح به دوره الوطني رغم الإقصاء والتهميش، يدعو اللقاء الإصلاحي الديمقراطي إلى ما يلي :
* تشديد التنبه للإسقاطات المستقبلية للأزمة وانعكاساتها على الواقع التونسي، وليس غمس الرأس في التراب أو التهوين من شأنها بعازل عن تأثيراتها، فإنما هو عامل الوقت الذي لن يلغي أحدا، فليست تونس جزيرة نائية في بحر الظلمات.
* التهيؤ لهذه التأثيرات عبر الشفافية الكاملة في التعرض للأزمة ودلالاتها وانعكاساتها، حتى يكون المواطن مستعدا لكل طارئ ومواكبا لكل تطوراتها ومفاجآتها.
* تكاتف الجهود معارضة وحكومة من أجل التوحد تجاه هذه الأزمة الخطيرة على استقرار الشعوب وأمنها، ولا يكون ذلك ممكنا إلا بإعلان مصالحة فورية ووئام بين الجميع يستند إلى مراجعة العلاقة بين السلطة والمعارضة في اتجاه مشهد سياسي لا يقصي ولا يهمش أحد. وفي هذا السياق يذكّر اللقاء الإصلاحي الديمقراطي أصحاب القرار في تونس أنه لا يزال ينتظر تمكينه من التأشيرة للعمل القانوني حسب ما يسمح به دستور البلاد.
* انتهاز هذه الأزمة لمعالجة جوهر الحالة الاقتصادية التونسية في مستوى توزيع الثروة والاعتناء بالطبقة الفقيرة، والتنبه لانحسار الطبقة الوسطى، حيث يبدو أن استفحال الأزمة من شأنه تفاقم أزمة ارتفاع الأسعار وحالة البطالة والاحتياج في البلاد.
* الاستعداد لحالة الانكماش العالمي والذي من شأنه تأثيره المباشر على الاقتصاد التونسي خاصة في مستويين : مستوى القطاع السياحي وارتباطه المباشر بمداخيل وثروة السائح الأجنبي، والتي انتابها كثير من الشروخ والاهتزاز نتيجة الأزمة، وفي مستوى الاستثمار الخارجي الذي سينكمش لا محالة في ظل تزعزع جانب الثقة في النظام الاقتصادي العالمي، وتفاقم حالات الذعر والخوف والتمترس داخل حدوده القومية.
* إعادة الاعتبار للدولة وتدخلها في الاقتصاد، ومراجعة حازمة لمبدأ الخوصصة وبرامجها واتفاقياتها، حيث تبين للجميع هشاشة الطرح الليبرالي في هذا المجال ومثاليته المغشوشة، وانعكاسات هذا التوجه الخطير على عدالة التوزيع وصلابة المنشأة الإنتاجية وسلامتها في المساهمة في ازدهار البلاد.
* زيادة المراقبة الفعلية للبنك المركزي تجاه الجهاز المصرفي عموما، واحترام استقلاليته كاملة، والتركيز على استبعاد أي تأثير خارجي على مواقفه وقراراته.
* اعتماد المصرفية الإسلامية كنموذج سليم في التعامل البنكي، والسعي لتوسعة نطاقها عبر التمكين لبنوك جديدة تحمل هذه الصفة، ومساعدة البنوك القائمة على فتح نوافذ خاصة تتعامل حسب مقتضيات الشريعة الإسلامية.
وفي الختام لا يسع اللقاء اًلإصلاحي الديمقراطي إلا التذكير مجددا بأن المعالجات الظرفية لا يمكن أن تبني استقرارا وسلاما، وأن الأزمة التي تعيشها تونس هي أكبر من الشأن الاقتصادي، ولا بد من معالجة هيكلية للمشهد العام، ترتكز أساسا على مبدأ الكرامة وحقوق فعلية للمواطنة، ومن بينها التقاسم العادل لثروة البلاد وحرية التعبير وحرية التشكل السياسي، في ظل ثابت عام : تونس للجميع دون وصاية أو إقصاء.
عن اللقاء الإصلاحي الديمقراطي د.خــالد الطــراولي  
بــاريس في 20 أكتوبر 2008 / 20 شوال 1429
 

2008-10-20