وهل يكفي التنديد والاستنكــار ؟


تتواصل المجزرة في غزة وتتواصل معها محنة أهلنا، حيث يشهد التاريخ حالة رعب وترويع وتقتيل، من أبشع وأجرم ما حدث منذ عقود. سيل من حقد أعمى وتشف فضيع من صغار وكبار على السواء، ونساء ورجال دون تمحيص أو مبالاة، تحت أعين العالم ومؤسساته وحكوماته وشعوبه. لم يسلم أحد من المذبحة، مدارس دُكّت وديار هُدّمت على رؤوس ساكنيها، ومساجد حُطّمت دون قدسية أو اعتبار، على أجساد مرتاديها.
كل المذبجة تحدث تحت الأضواء الكاشفة رغم التعتيم الإعلامي التي سعت إسرائيل إلى إجباره على الصحفيين، فرأى العالم مباشرة كيف تُقتنص أرواح الأبرياء دون وازع أو خوف، وظهر للعيان حدوث خنادق وضفاف بين صفين واضحي المعالم والصفات، حيث تمسكت الشعوب بفطرتها وتشبثت بنصرة المظلوم، وخرجت بالملايين تعبيرا عن سخطها ورفضها لهذه المجزرة، وكان للعالم العربي والإسلامي النصيب الأوفر، والتقت مع نخبة تعددت مرجعياتها، ولكن جمعها نصرة المظلوم وحماية لجزء من هذه الأمة يُفتك به على المباشر. وفي المقابل ظهرت بعض الأطراف الدولية غير عابئة بتواصل المجزرة وتساوى عندها الجلاد والضحية، وظهر للعيان عجز المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة، والتقى الجميع مع نظام رسمي عربي يتراوح بين المساندة الفاترة، واتهام حماس، والتنديد العاجز، والركون إلى متابعة الأحداث حسب أجندات وحسابات، أظهرت البون الشاسع بين الحكام والشعوب.
في هذا الإطار الداكن الذي يحمل آهات وآلام وجروح، ودماء تسيل، تجعل الحليم حيران، تستوقفنا أبعاد الضمير والوطنية والأخوة الإنسانية والدينية لتعلن بمرارة : وهل يكفي التنديد والاستنكار؟
نعم سنستنكر هذه الفضاعة وهذه البشاعة التي سكبت سوائلها المحمومة على المشهد..، ولكن ليس استنكار العاجز أو اليائس والمحبط...
نعم نندد بكل هذه المجزرة وبفاعليها الذين تخطّوا درجات الوحشية والحيوانية ولم يتركوا ذرة لهم من إنسانية...
ولكن نثمن مواقف هذه الشعوب التي ملأت الشوارع واستطاعت ببراءتها فهم قواعد اللعبة ولم تنجر وراء الأكاذيب والمزاعم واللوبيات...نثمن استيقاظ النخب مهما تعددت مرجعهياته حيث فهمت أن الأمة مهددة في وجودها فلم تنجر إلى تفعيل أيديولوجياتها قبل التمكين لهوياتها ووجودها..، نثمن الدور المركزي لبعض قنوات الإعلام التي استطاعت أن تنزع ستار التلفيق والافتراء، وقدمت للعالم صورة حية وصادقة عما يراد له أن يحدث دون رقيب.. نثمن الموقف التركي ونحي رئيس وزرائه ونعتبرهما شهادة شهامة وأصالة لم تغب عن تركيا رغم عقود التغريب والتهميش.
إن سياسة الكيل بميزانين التي لا تزال تلقي بظلالها بين أروقة المؤسسات العالمية وعند أصحاب القرار وخاصة الإدارة الأمريكية، و تواصل المواقف الهزيلة للنظام الرسمي العربي في عدم استجابته لنداءات الشارع في تفعيل دوره القومي والإسلامي، تدفعان لا محالة إلى مزيد من الغليان والتطرف والمغالاة والابتعاد عن منازل الحوار والحلول السلمية والإنسانية التي تكاد تغيب بين ركام مدينة غزة الشهيدة.
إن اللقاء الإصلاحي الديمقراطي يعلن بكل قوة تضامنه المبدئي والمطلق مع أهلنا في غزة ويعبر لهم عن ثقته في النصر الذي لا يحسب بأمتار في الأرض أو ذرات رمل، و لكن بما سطروه من صمود ومقاومة و ما أحدثوه من سقوط ورقة التوت لدى بعض الحكام، ومن تعرية لما بقي يحمله بعض النخب من ستر مغشوش، وبما فضحته من سياسات وقرارات ودول لطالما أوجعت رؤوسنا بمقولات حقوق الإنسان، فظهرت الصورة واضحة جلية تبنتها الشعوب ووعت أطرافها ومعالمها ولا نخالها إلا منقوشة في الذاكرة إلى حين. ولا نحسب هذه الرجة إلا إحدى النتائج الأولية لهذه الحرب الغاشمة التي شكلت لدى ذهنية الفرد العربي والمسلم ولعله المواطن العالمي نقطة تميز بين عهد الصمت والانسحاب والافتراء وعهد جديد يغلب عليه تفتق الحقيقة وبروزه للعلن.
إن هذه اللحظات رغم مرارتها فإنها لن تكون لحظات عابرة ولكنها لحظات مفصلية في البناء من جديد نحو نظام عالمي عادل، سطرت فقراته الأولى براعم غزة ونسائها ورجالها بحبر أحمر اللون ولكنه يحمل بصمات ماء من ذهب.
لقد فتحت غزة الشهيدة الباب وسطرت طريق البناء السلمي والواعي، وعلى الجميع فهم دوره ومسؤوليته ومركزه والدور الذي يجب أن بلعبه في عملية بتاء أمة واستنهاض أطرافها، فلكل ثغره ودوره الرسالي، ولم يعد ممكنا العيش على الهامش أو التدثر بلباس العادية القاتل.
عن اللقاء الإصلاحي الديمقراطي
د. خــالد الطـراولي
باريس 12 محرم 1430/ 9 جانفي  2009
 

2009-01-10