حوار مع خـالد الـطراولي : قبل أن نرمّم بيوت الجيران علينا أن نرمّم بيتنا!


تزمع مجموعة من الصحافيين التونسيين على إصدار كتيب أبيض بمناسبة الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة وفي هذا الصدد طرحت جملة من الأسئلة على الدكتور خالد الطراولي عن اللقاء الإصلاحي الديمقراطي
نص الاستجواب
بلال بلال :هل تعتقدون أنّ الإنتخابات الرّئاسية التونسية التي ستجرى خلال شهر أكتوبر 2009 ما هي إلا ولاية جديدة دون مفاجآت للرئيس الحالي بن علي يمكن ان تكون دستورية أم هي مجردتلاعب بالدّستور هل هناك إمكانية قانونية وطنيّا ودوليّا للتنديد بهذه الإنتخابات و محاربتها
خالد الطراولي :  بسم الله الرحمان الرحيم عنصر المفاجأة مفقود ولا شك في هذه الانتخابات وفي غيرها وهي حقيقة ولا شك مرة ولكنها تبقى ممارسة حقيقية تعود عليها بكل أسف المواطن التونسي في كل محطة انتخابية وهي تعبيرة محزنة ومزعجة للمشهد السياسي إجمالا فالمفاجئة غالبا ماتكون قرينة التدافع السليم والتعدد غير المغشوش والمواطنة الصحيحة ولا أتصور اليوم هذه الصفات متوفرة اليوم في الإطار التونسي بكل أسف. أما عن إمكانية مواجهة هذا الزيغ الانتخابي فهي كثيرة وقبل أن نبحث عن الحلول عند غيرنا فإننا نستطيع إذا توفرت العزائم الصادقة والإرادات الطيبة التي تحوم حول منظومة من القيم تحملها وحدة المعارضة من أن نقاوم على عديد الأصعدة التي تعري الاستبداد وتوضح مآلاته عبر توزيع للمشوار بين الداخل والخارج فكل نافذة يجب استعمالها في أقصاها وتنويع أساليب المواجهة السلمية ولعل الجانب الإعلامي الضاغط و الاعتصامات ورسائل القصيرة عبر حملة منظمة تدخل كل بيت وتصل إلى كل مواطن توضح له وتبين له أنه ليس وحيدا في الساحة وأن هناك نخبة عاملة في الداخل والخارج لا تدردش على نهر السين ولا تشرب الشاي على الأريكة في البيت وإنما تسعى جاهدة إلى التواصل معه ومعايشة همومه ومطالبه. أنا أؤمن أن الباب الإعلامي هام ولا يجب تهميشه وهو وسيلة الضعيف حتى يقوى والغائب حتى يعود وأظن أننا لم نوفه حقه في هذه الانتخابات وفي غيرها، فلا يمكن أن يسمعك أحد أو ينصت إليك حتى وإن انفجرت حنجرتك إذ كنت مغلقا بابك أو تتمسك بالتواجد في الصحراء أو تصيح دون أن تعرف لماذا تصيح وكيف تصيح ومع من تصيح ومتى تصيح. فالإعلام منهج نظر وفعل وهو ما ينقصنا في مواجهتنا للاستبداد. نعم ينقصنا تبليغ صوتنا إلى الخارج حتى وإن اختلفت الأجندات لكن علينا أن نبين أن نوضح أن أجندات الاستبداد لا تلتقي مع المصالح السليمة والدائمة حتى وأن تهيأ للبعض أن مصالحه الآنية تلتقي مع الاستبداد. وأنا أشكرك على فكرتك في تجاذب الحديث وطرح أسئلتك التي أعتبرها نافذة سليمة لحملة واعية لفضح الاستبداد ولا شك ولكنها أيضا لإثارة المعارضة وتبين سبلها في مقاربتها لهذه الانتخابات ولغيرها.


******************************************
سؤال : هل ترون أنّ هذه الانتخابات هي مجرّد مسرحيّة و تمهيد لرئاسة مدى الحياة ؟
خالد الطراولي : دعنا نقول أنها مسرحية بليدة الإخراج ثقيلة التمثيل في ديكور حزين بدون حضور الجمهور رغم أن الدخول مجاني. أما عن الرئاسة مدى الحياة فهل توقفت حتى نتساءل عنها اليوم. على الأقل الرئيس السابق كان واضحا نادى بها وفرضها على الجميع جورا وعدوانا أما اليوم فقد تغيرت الأساليب والهدف واحد.

********************************************
سؤال : هل تعتقدون انّ مقاطعة فعّالة و إبلاغ وجهات النّظر في عدم مشروعيّة هذه الإنتخابات يمكن أن تكون عنصريوحد المعارضة الديمقراطية التّونسيّة و يضفي عليها مصداقيّة و يدعموجودها على السّاحة السّياسيّة التّونسيّة؟
خالد الطراولي : لقد قلت سابقا وحبرته في عديد المقالات أن المقاطعة لا تعني شيئا إذا لم تكن فعالة، ولا تختلف عن جدوى المشاركة إذا لم يقع تفعيلها حقيقة. فماذا يعني في مستوى النضال وفي درجة الجدوى إذا أعلنتَ المقاطعة كنخبة معارضة ودخلت بيتك وأغلقت بابك وتركت الحبل على الغارب. الانتخابات فرصة دورية للمعارضة في التوجه مباشرة إلى الجماهير ببرامجها وتصوراتها إذا كان الإطار ديمقراطيا بامتياز، لكن إذا تخلف هذا الإطار فإنها تبقى فرصة لتوظيفها أحسن توظيف ولو عم السواد. المقاطعة النوعية هي فرصة لكي تصنع المعارضة الحدث وتنفلت من إطار المتابع واللاهث وراءه لتصنعه، ويتنزل هذا مثلا في فعل محسوس يتبنى فكرة جامعة لنصل من خلالها إلى إحداث شرخ في مهرجان السلطة، نوظفها لكسب بعض المطالب ولو على صغر حجمها دون مساومة أو مشاركة، فنحن نريد من أي حالة أو محطة توظيفها أحسن توظيف لمقاومة الاستبداد بوعي وفهم يبني الاستراتيجيا قبل التكتيك اللحظي المتوتر غالبا.
لقد كانت دعوتي منذ انتخابات 2005 الرئاسية وعلى مشارف الانتخابات الحالية إلى تبني موقف بين المشاركة المرفوضة عقلا وتجربة، وبين المقاطعة البائسة واعتبرتها المنزلة بين المنزلتين، وطرحت في السابق ترشيح سجين سياسي وفي هذه المرة تقدمت بمقترح ترشيح السجين السياسي الفاضل الدكتور الصادق شورو. وبقيت هذه الدعوة كسابقتها وبكل أسف دون رد ولا تفاعل كبير ومنهجي، وكانت حسب ظني ولا تزال وسيلة لتجميع المعارضة حول فكرة جديدة منغصة للاستبداد ورسالة فريدة ونوعية للداخل والخارج لتسليط الأضواء على هذه الانتخابات من زاوية التعرية والكشف عن المتواري والمزيف وتوظيفها على الأقل لرفع الضيم عن المعتقلين بغير حق وعلى رأسهم الدكتور شورو.
فهي رسالة للداخل مضمونها أننا نقاطع هذه الانتخابات بالشكل والإطار المطروحان ودعوة للجماهير إلى عدم مشاركتها. وهي رسالة للمعارضة نفسها أنها تستطيع أن تجتمع على الأدنى الذي يستبعد الأيديولوجي في حينه والسياسوي وأنها تستطيع أن تصنع الحدث مجتمعة موحدة. وهي رسالة إلى الخارج أننا نفضح الاستبداد ونبين الإطار الحقيقي الذي تقع فيه هذه الانتخابات من أغلال وجور وسجون ومعذبين في الأرض. ولهذا أعتبر أن قوة السلطة في تونس ليس في ذاتها ولا في تاريخها ولا في رجالها ولا في برامجها ولا حتى في جهازها الأمني المتفاقم ولكن في ضعف المعارضة وتشتتها وركض بعضها نحو طموحات سياسية ضيقة و فردية مقيتة وشخصانية مستفحلة وحسابات لا تبني للمستقبل ولكنها تعيش اللحظة بكل ماتعنيه في بعض الأحيان من مساومات وطعون وكر وفر في فنجان. وعليك أن تنظر حالتها وهي تتقدم إلى الانتخابات أو الانتخابات تتقدم إليها...

****************************************************************
سؤال : هل تعتقدون أنّ المشاركة في إنتخابات أكتوبر يجب أن تتم في كنف الشّفافية و الوضوح و النّزاهة ؟

خالد الطراولي : لعلي أجيبك بهذه الحزمة من الأسئلة، هل سعى اصحابها إلى تشريكنا حتى نتحاور على شفافيتها، هل أدمجنا داخل إطارها حتى نتناقش في بنودها؟ هل المشهد السياسي التونسي بالشكل السليم والمعافى الذي يولد إطارا سليما ومرضيا لهذه الانتخابات ولغيرها من المحطات؟ هل المواطن التونسي يعيش حقيقة مواطنته كاملة داخل الانتخابات أو خارجها ونحن نستمع ونرى من هنا هناك الاعتدات المتواصلة على حقوقه ومطالبه عبر استهداف بعض المحجبات في لبالسهن والصحافيين في جمعيتهم والمرشحين في حملتهم الانتخابية... كنت أتمنى ولا أزال أن تفهم السلطة أن سلامة ما تطرح ونجاح ما تريد مرتبط أساسا بوجود مشهد عام سليم ومعافى وهو ما نفتقده اليوم في تونس
*************************************************************
سؤال: هل تعتقدون أنه لضمان هذه الشفافية و المصداقيّة لا يمكن أن تتمّ إلا بوجود مراقبين دوليين محايدين من المجتمع المدني ؟
خالد الطراولي : أنا في عقد الأربعين ومنذ عقلت لم ألمس في أوطاننا حالة انتخابات سليمة...لن أتحدث عن الرئاسيات مدى الحياة وتنقيحات الدساتير المسترسلة، حتى خفت يوما أن نستيقظ صباحا فنجد أن الدستور قد نُقّح في غفلة من أمرنا ليُسمح لحاكمنا أن يحكمنا من قبره! ولن أتحدث عن مهزلة عجزت كتب العلوم السياسية أن تُنظّر لها، وعجز سياسيو الغرب أن يتفطنوا لها وهي "الجمهوريات الملكية" مصطلح يجعل صدرك ضيقا كأنك تصعّد في السماء، ولا أحسب الخليل بن أحمد أو سيبويه قادران على فك ألغازه...رؤساء جمهوريات يورثون حكمهم إلى أبنائهم وكأن الوطن قطعة من أملاكهم الخاصة وهي فضيحة الفضائح سيكتبها التاريخ بحبر أسود مع ضحكات مريبة تعبيرا عن أكبر مهازل القرون الحديثة حيث يتم الاستخفاف بالشعوب في وضح النهار وعلى مرأى الجميع...لن أتحدث عن كل هذه الصور المقيتة المعبرة عن حالة التخلف السياسي التي تعيشها أوطاننا حيث يظهر الاستبداد كمعضلة الأمة الكبرى حيث لا تقدم ولا تحضر دون رتق هذا الفتق الأعظم الذي انطلق تاريخا في أيام عابسة وتواصل اليوم على وقع أجندات داخلية وخارجية، فردية وأسرية وغيبة محيرة للشعوب والجماهير، وكما يقول مظفر نواب من حيث أرتقها تتفتق...
الحديث اليوم عن مراقبين وملاحظين حسب سؤالك يعتبر حديث ترف وحديثا مسقطا، إذا كانت العقلية والثقافة والمنهجية والفعل والمشهد وحتى النوايا مغشوشة ومزيفة وتحمل عرش الديكور والفلكلور فأي ممارسة بعدها تعتبر لا غية وليست ذات شأن يذكر...
 ****************************************************************
سؤال : هل تعتقدون أنّ تجزئة المعارضة الدّيمقراطيّة لها مسؤولية في هذا الوضع السّائد حاليّا
هل هناك رفض للسّياسة في المجتمع التّونسي من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى حالةحنق(غيظ) أ وإلى حرب أهليّة ؟
 
خالد الطراولي: لقد قلت لك منذ قليل ولعلي استبقت سؤالك، أن كثيرا مما يدور حولنا نملك البعض من مفاتيحه وأن بعض مصائبنا تعود إلينا كمعارضة، الاستبداد ولا شك سبب البلايا والمصائب ولكني أتساءل دائما لنكن براغماتيين ولو للحظة من الزمن، ماهو الممكن فعله؟ ما هو الخيط الذي بأيدينا ويمكن جذبه أو دفعه، وإن كان خيطا من حرير؟ لنقل أن السلطة مهيمنة غالبة، أن المشهد السياسي مغلق مختوم بالشمع الأمر، أن النظام يملك كل خيوط اللعبة، وسوف أذهب أكثر من ذلك لأقول أننا عاجزون اليوم على مغالبة السلطة وأننا في الحالة التي نحن عليها "لا شيء يذكر" أمامها... ولكن هناك قطعة من ذهب بين أيدينا، هنا كثير من الخيوط التي نملكها ونستطيع تفعيلها، هناك أبواب ومنافذ يمكن ولوجها ودفعها بهدوء ولو بكثير من البطئ، كل هذا مرتبط أساسا بهذا المصطلح الذي رفضناه أو جعلناه فضفاضا لا طعم له ولا رائحة وهو وحدة المعارضة!!! فكم التقت في ندوات وأمسيات ومحطات ومؤتمرات، كان آخرها على هامش مؤتمر العودة وأوجعت رؤوسنا بمطالب الوحدة والتوحد والعمل الوحدوي، حتى إذا انطفأت الشموع وعاد كل فريق إلى مأواه لم يبق غير الصدى في صحراء قاحلة تبحث مجددا عن الاخضرار...إني أجزم مجددا أننا كمعارضة سياسية نحمل نصيبا من حالة العدم التي يمر بها المشهد السياسي ولن نستطيع يوما أن تكون لنا المصداقية أمام شعوبنا والجدية والحزم لفعلنا إذا لم نفهم ونستوعب مقولة أكلت يوم أكل الثور الأبيض! لأعود وأقول قوة السلطة في ضعفنا وليست في ذاتها
إن الجماهير هي نقطة ضعفنا الثانية وهو خيط متين لو أحسنا إثارته، كيف لنا أن نعيش هذا الشعب؟ لقد قال حشاد يوما "أحبك ياشعب" ومارس هذا الحب وفعّله حتى النهاية. فهل فعلنا نحن ما نزعمه من حب ووفاء لهذا الشعب، هل أنتجنا برامج وخطط تقترب من همومه، هل حملنا حقيقة مطالبه بكل تجرد وحزم وإرادة ووعي، أم بقينا نلوك صباحا مساء المسألة الحقوقية والسياسية دون الاعتناء بمثل الدرجة والمستوى بالإقتصاد والاجتماع؟؟...إن الشعب التونسي ذكي ووفي ومقاوم، تاريخه البعيد يؤكد على ذلك فالاستعمار مر من هناك وتاريخه المعاصر يؤكد ذلك وانظروا ثوراته من الخبز إلى الحرم الجامعي إلى الحوض المنجمي، من العامل اليومي إلى الأستاذ الجامعي، انصتوا إلى نكاته إلى أحاديثه ولو من وراء الجدران لتفقهوا أنه لم ينم وأنه عارف بكل فصول المأساة ولكنه يترقب... فالأشجار التي تبقى بعد مرور العاصفة هي التي انحنت طواعية دون ذل ولا هوان وهي تعرف وقت الوقوف والشموخ في انتظار مرور الزبد، فالجماهير التونسية لا ينقصها الوعي ولا الفهم ولا الذكاء ولكن تنقصها النخبة الواعية، تنقصها المعارضة الجدية الموحدة التي تعيش همومها وأقدارها. إن هذا الشعب الذي أحبه حشاد يؤكد تاريخه وحاضره على تمسكه بمنظمة من القيم المغروسة في داخله والتي تنتظر من يبعثها من جديد وينفث عنها التراب ويدعمها ويقويها وهو دور المعارضة سواء كانت معارضة سياسية أو فكرية.
ولو سمحت سيدي فأريد أن أختم بمسحة من أمل وتفاءل وهي سمة أسعى على الاحتفاظ بها في كل موطن وزمن، فرغم هذا السواد الذي لا يكاد ينحسر فأنا آمل أن تنتهي المعارضة إلى أن طريقها إلى التمكين يمر عبر وحدتها وتوحدها على برامج دنيا، وفي المعارضة رجال ونساء صادقون وصادقات، مقاومون ومقاومات يدفعون النفس والنفيس من أجل رفاهة تونس وكرامة التونسيين، متفائل أيضا أن هذا الشعب لن يخيبنا إذا ناديناه يوما فنحن منه وهو منا وأجدادنا أجداده وأحفادنا أحفاده وإن تباعد اللقاء وصعبت المصافحة...متفائل أيضا لأني أعتقد أن النوايا الطيبة والعزائم الصادقة لا تخلو منها الضفة المقابلة التي لعل بعضها لا يعجبه ما يرى ويسمع من جور واعتداء... مع هؤلاء جميعا ومن نافذة المصالحة التي لا تقصي ولا تهمش ولا تستخف نمد أيدينا دائما من أجل الصالح العام ومن أجل تونس لكل "التوانسة" وشكرا
 

2009-10-19