في التغيير والإصلاح والمصالحة [وثيقة يطرحها اللقاء الإصلاحي الديمقراطي]

 

د. خــالد الطـراولي ktraouli@yahoo.fr

ملاحظــــة : هذه الورقة التي نقدمها بين أيديكم والتي تحملها خمسة أجزاء، تمثل اجتهادا في مسألة التغيير المقبلة عليها تونس، وتشكل رأي اللقاء الإصلاحي الديمقراطي في قضية التوريث وتمرير الحكم ودور المعارضة المدنية والجماهير التونسية والحركة الإسلامية في هذه المحطة الخطيرة التي تمر بها البلاد، والتي تستدعي كثيرا من المسؤولية، كثيرا من الوعي، وكثيرا من القيم! وصدق الحداد حين قال : لو ما أعلّل نفسي بانتظار غد // لقلت خاب الذي أرجوه في بلدي!

من عادة الانتخابات أن تفتح للفائز مرحلة جديدة في مشواره السياسي وللمحيط، بلادا كان أو قرية، منعرجا وحالة جدية تندرج ضمن سياق ما وعد به المترشح أثناء حملته الانتخابية. المفارقة العجيبة التي حملتها الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة هي أنها عوض أن تشكل صفحة جديدة لصالح الفائز وبداية مشوار جديد له، فقد مثلت ناقوس النهاية وبداية العد التنازلي لمشوار فرد وحتى جماعة، ولتفتح الباب عريضا نحو عالم مجهول تتقاذفه أمواج عاتية وطموحات وأحلام وأسر وأفراد، وحتى خناجر وأوصال. والغريب أن هذه النتيجة لا تحملها أطراف المعارضة السياسية للرئيس فحسب، وهذا شيء طبيعي إذا فهمناه في بعده السياسي، ولكن المستغرب الذي تحوم حوله أبعاد قيمية وأخلاقية مهتزة وسقوط في الحسابات الضيقة بين الأسر والطوائف، ويتبنى هذا الطرح أطراف معلومة داخل خيمة السلطان وحاشيته، ولو بحديث خافت أحيانا أو مواقف علنية فيها كثير من استعراض العضلات والبرهنة على الوجود والنفوذ.

المحطة الانتخابية هي نهاية مطاف وبداية آخر، بما يحمله من عنصر المجهول والطوارئ والمفاجأة، وهو يفتح المستقبل على مصراعيه للجميع، ويكاد يكون نصيب كل زاعم أو حالم أو آمل في الوصول إلى سدة الحكم في تونس متقاربا أو يكاد، من معارضة أو أصحاب الحكم الحالي، رغم ما يحاول البعض إعلاما ومقربين وحتى أطرافا في المعارضة، اعتبار الأمر محسوما وقدرا محتوما ولا سبيل إلى تغيير المقادير، فالأجندة محنطة ومحكمة ومتمكنة في أعماق الأرض والنفوس، وأن الحكم لن يخرج من نسل الرئيس الحالي أو أقربائه أو حاشيته أو حزبه، طوعا أو كرها وعلى المكشوف!

هذا الحسم الذي يسعى أطراف في السلطة إلى تمكينه في مخيلة الناس وفي عقولهم، لدى الخاص والعام، ولدى الداخل والخارج، حتى لا يروا غيره ويصبح من المسلمات والبديهيات التي لا تقبل فلسفة أو استرجاعا، وإقناع الجميع بأنه لا مفر من بقاء الحكم داخل إطارهم، ولا خير ولا مصلحة للجميع داخليا وخارجيا إلا في مواصلة مشوار الحكم الحالي، ولو بوجوه أخرى تربت وترعرعت داخل السرايا.

أعتقد جازما أن الأمر لم يحسم لفلان أو علان وما على البقية إلا التصفيق والمباركة أو مغادرة الركح صاغرين! ولكن هناك عديد العوامل الخاصة والعامة والظاهرة والمسكوت عنها، سوف تظل قائمة ويحسب لها ألف حساب، ومن شأن من يستطيع توظيفها أحسن توظيف واستعمالها في الوقت المناسب والظرف المناسب مع دراية ووعي بأساليب الكر والفر السياسي السليم وفقه تام بالمرحلة ومستجداتها ومطالبها، وفهم كامل للواقعية والمبدئية، فإنه من يحمل هذا الوعي غير المغشوش وهذا الفعل الحضاري الراقي وهذا الكنه السياسي المتقدم، فأبواب التمكين والتغيير لن تبقى موصدة أمامه!

نعم إن حاكم تونس المقبل يمكن أن يكون من غير ما يُخَمَّنُ له ويُطبَخ...نعم إن حكم تونس المستقبلي يمكن أن يحمله طرف من بيننا...نعم إن المشهد السياسي القادم يمكن أن يكون ديمقراطيا خالصا، جمهوريا خالصا، دستوريا خالصا، تصان فيه كرامة المواطن والوطن!

من هنـــا نبـــدأ...
إن ما يُطرح حاليا من خطب وبيانات وتلميحات ومساندات، وطأطأة رؤوس وانحناءات ظهور، وما يُقدَّم من مهرجانات وصخب إعلامي يسعى من باب الواقعية المغشوشة أحيانا [الي تعرفو خير ملي ما تعرفوش] والخوف والتخويف أحيانا أخرى [الي بدّل لحية بلحية يشتاقهم الاثنين]، و من زاوية التواكل والمبالاة أيضا [الي تراه راكب فركة قل له مبروك الحصان]، يسعى كل ذلك إلى تقديم بعض الأطراف في السلطة وكأنها الملاذ والمصير المحتوم! غير أن كل هذه اللعبة المفبركة و المحبوكة والمبرمجة والممنهجة على أوسع نطاق، لا نخالها تحمل كل هذه الطمأنينة المزيفة والحسم المفترى عليه، ونرى بكل حزم وواقعية أن مستقبل تونس ما بعد الرئيس الحالي تبقى مفتوحة على المجهول وقابلة لأكثر من سيناريو وحدث.

التوريث : حديث اليقين أم حديث الغيبوبة؟
الاستخلاف والتوريث أصبحا رغيف المواطن العربي عموما، وحديثه اليومي ونكات مجالسه ولقاءاته، فمن المحيط إلى الخليج تطبخ على نيران هادئة أحيانا ومتوترة أحيانا أخرى، طبخة عجيبة غريبة تتمثل في توريث الحكم في جمهوريات الموز التي نعيش في ظلالها. ولم تشذّ تونس عن هذه القاعدة، وظهر عنصر التوريث والتمليك والاستخلاف على الأحرف وبين الأسطر، وحملت الانتخابات الأخيرة صورة غلبت على كل المشهد، حتى أنها غيبت بعض الشئ صورة الرئيس وجعلته يتوارى إلى الصف الثاني! حيث ظهرت حرمه على الركح السياسي وكأنها قائدة الحملة الانتخابية والناطق الرسمي لها. حضور إعلامي ملفت يريد أن يبلغ مجموعة رسائل واضحة وجلية وذات أبعاد، منها أن حرم الرئيس حاضرة في مثل هذه المحطات السياسية الهامة بامتياز، وأنها غير متروكة في دهاليز القصر وبعيدا عن شموسه ولكنها قادرة على لم الصفوف وقيادتها... ومنها أنها لها دور حاضر في انتخاب زوجها ومساهمتها الكبيرة، عبر الأحاديث الصحفية والاجتماعات والخطب وإطلاق المبادرات من مثل الباخرة التي جابت المواني تعريفا ببرنامج زوجها... ومن هذه الرسائل أيضا، أنها لها دور كبير ومحدد وحاسم في مستقبل البلاد، فلن يكون لتونس وجود بدونها، ولن يكون هناك خيار بدون رضاها وأن تونس المستقبل حبيسة قراراتها، بل أن الرسالة توحي أيضا بأنه في صورة مرض الرئيس أو استفحاله وتخليه عن موقعه اختيارا أو اضطرارا كما وقع للرئيس السابق أو حصول فراغ دستوري، فإن حرمه يمكن أن تمثل النائب أو حتى المعوّض والمستخلف!

ليست حرم الرئيس هي الوحيدة على قائمة التوريث كما يبدو، فقد ظهر على السطح ولكن بسرعة عجيبة ومع صخب إعلامي متحكم فيه ومدروس، لمعان صهر الرئيس الأخير، حيث سبقت الانتخابات منذ مدة وجيزة ظهور إعلامي بارز تمثل خاصة في إطلاق إذاعة الزيتونة وتملك صحيفة الصباح الشهيرة وإنشاء مصرف إسلامي في البلاد، مع تسويق لنجاح كبير وقياسي في الأعمال مع أنه لا يزال شابا لا يتجاوز الثلاثين.

أغلب الملاحظين يؤكدون على أن هذا الظهور الملفت والسريع،يهيأ صهر الرئيس إلى منازل عليا مرتقبة ولعل التوريث هو أصدقها. فبعد الانغراس المحلي [رئيس شعبة قرطاج] وبعد التمكن الحزبي [عضو في اللجنة المركزية للحزب الحاكم] وبعد التواصل مع الجهات والبلاد عموما عبر انتخابه أخيرا نائبا في البرلمان، فإن الطريق إلى القصر تبدو معبدة ومفروشة بالورد أو بالياسمين على الطريقة التونسية، ولا يمكن للمتابع إلا الخلوص بأن منهجية التصعيد إلى هرم السلطة أخذت طريقها واستوت وانطلق عدادها، خاصة وأن الرجل يحمل تقريبا رضاء الأسرة الحاكمة بكل أجنحتها، فهو قريب الرئيس وصهره وهو أحد أبناء المرحوم الماطري، وعمه صديق الرئيس، وهو زوج البنت الكبرى لحرم الرئيس.

الصورة تبدو جميلة وبكل ألوان الطيف الزاهية، سواء كان التوريث لحرم الرئيس أو لصهره، ولا يبدو في الوهلة الأولى أن المشهد قد يناله أدنى غبش أو ضباب أو شك أو ظنون، وأن القلم قد رُفع وتكلست الأيادي وجفت الصحف وجمدت العقول! إلا أن المشهد يبدو أكثر ضبابية وأقل صفاء وراحة وضمانا، وأن القدر لا يبدو أنه يستجيب لمثل هذا السيناريو فالشعب لعله أراد الحياة كما أعلنها عالية أبو القاسم الشابي، وأن عوامل أساسية أخرى وأدوار رئيسية مرتقبة من خارج السرايا، غُيّبت واستُبعدت خوفا ورهبة، حتى لا يبدو التوريث غير واحة خضراء لا ينالها ضمأ الصحراء ولا كثبان الرمال... في التغييـر والإصـلاح والمصالحـة [2/5] الجــزء الثـاني : التوريث ليس قدرا محتوما

العوامل المنسية أو المغيّبة
إن الصورة جميلة وبراقة عند أصحابها ولاشك كما قلنا في الجزء الأول، وأن توريث حكم تونس لحرم الرئيس أو لصهره قد أصبح عند العديد محسوم ولا ينتظر إلا نقطة الصفر... إلا أن المشهد العام لا يبدو بالشكل اليقيني الذي يراد أن يُروٌّجَ له، وأن كثيرا من زوايا التوريث ليست محسومة كما يشاع، وأن عديد العوامل والأبعاد قد تدخل على النص دفعة واحدة أو على مراحل فتغير فقراته وسماته رأسا على عقب... الأسرة الحاكمة ليست جنان بابل

فالعلاقة الداخلية بين العائلات والأسر الحاكمة أفرادا وجماعات، ليست بالصفاء الظاهر، والتماسك والتوحد، فعملية تقاسم الثروة لا تبدو مرضية لكل الأطراف، ومراكز القوى والنفوذ داخلها لا تبدو قد حسمت أمرها تجاه وريث وحيد يجمع عليه الكل، وتظهر أن بعض العلاقات بلغت مستويات متدنية ومتوترة وانظرو ماذا يحدث في الفيس بوك من بعض الفضائح وتصفية الحساب... الجميع يحاول جذب الحبل نحوه وبكل السبل المتاحة، ولن يرضى إلا إذا كان نصيبه من قطعة الحلوى يملأ البطن وزيادة، فمعركة الاستخلاف والتوريث قائمة داخل أسوار القصر ، وإن كان ينالها بعض الصمت والتورية، ويغلب عليها في بعض الأحيان الخوف من خسارة كل شيء [وعصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة] لأن الأسرة الحاكمة وأجنحتها تعلم وتعي أن سقوط طرف يمكن أن يهز كل البناء وتتساقط القطع الواحدة تلو الأخرى.

الحزب لم يقل كلمته بعد...
إن الحزب الحاكم له تاريخه وله رجاله وله مواقفه الوطنية، ولا يمكن نكران ما للحزب القديم قبل تحوله في فترة ما بعد السابع من نوفمبر، من مواقف ونضالات أيام الحركة الوطنية ومقارعة الاستعمار، ومن رجال رواد وطنيين. ورغم الهنات التي أصابته بعد الاستقلال والذي زادت تمكنا واستفحالا في الحقبة الرئاسية الحاضرة، فإن الحزب الحاكم لم يخلو من وطنيين يحبون لتونس ما نحب ولا يرتاحون لما يروه من تغول سلطة الأسر والعائلات وضمور دور الحزب. لذلك لم تكن العلاقة بين الأسر الحاكمة والحزب بالصفاء والقبول المعلن عنهما، فبعض الأصوات داخل الحزب تنظر بعين التوجس والريبة وحتى الرفض الخفي لما يحدث على مستوى الفساد والمحسوبية وتقاسم ثروة البلاد، ولا ترى مسوّغا أخلاقيا ولا سياسيا لتواصل المشوار بنفس الطاقم ونفس الأسر خاصة. وهي تعلم وتلمس أن الحزب الحاكم قد فقد بريقه ونفوذه أمام مراكز النفوذ والقوى الأسرية الحاكمة، خاصة في ظل مرض الرئيس وغيابه الحزبي. فعهد بورقيبة وحزبه الجاثم على كل أوصال المشهد السياسي قد ولى وانحسر لصالح مصالح الأسر والعائلات وإن كان بورقيبة نفسه وفي أواخر عهده قد سقط نتيجة شيخوخته وتمسكه الجنوني بالحكم في فخ صولات ذوي القربى وكانت السيدة سعيدة ساسي المثل المعروف.

جهاز الأمن : من هنا مر الرئيس ولكن...
وتبقى العلاقة مع جهاز الأمن الحلقة الأكثر حساسية والأشد خطورة، ففي تونس خاصة ولعله في بلاد أخرى، يمثل البوليس عنصر توطيد الحكم المباشر ولاستفرادي أكثر من توطيد الأمن والاستقرار المعيشي، وإذا كان حاضر تونس يدعم المنزلة الهامة لجهاز الأمن حيث يفوق عدد أفراده 130 ألف حسب بعض الإحصائيات، والذي يخول تونس المراتب الأولى في هذا المضمار، فإن تاريخ البلاد تحت قيادة الرئيس الحالي يؤكد على الدور الرئيسي لجهاز البوليس في تطبيق القرارات السياسية وتوجهاتها من كبت للحريات واستبعاد المنافسين وسجن المناوئين وتنغيص حياة المعارضين، ولعله لا يخفى الدور الفعال لهذا الجهاز في حسم الأمر لصالح الرئيس الحالي أمام الحركة الإسلامية وتصفيتها.

إن كثيرا من المتابعين للوضع التونسي يجزم بأن من حسم تبعية هذا الجهاز فقد حسم معركة الخلافة، ومن حسم ولاءه فقد حسم مكانه في أعلى هرم السلطة، والجميع يعلم ذلك ولا يخفيه، غير أن مجموعة من الاستفهامات والتساؤلات المحيرة تبقى قائمة وملفته للأنظار، فرغم أن الرئيس الحالي قد جاء من الجهاز الأمني وتمتع بولاء كامل طيلة حكمه فهذا لا يعني أن هذا الولاء سيُوَّرَث، وإذا كان كذلك فلمن يورث ولأي أسرة أو طرف، أم يفضل الجهاز البقاء على الحياد حتى تنجلي للصورة وحتى لا ينزلق في صراعات يمكن أن تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه؟ والحياد ليس ترفا فكريا منا أو موقفا مستبعدا ومثاليا، ولكننا نراه شديد الإمكان للخطورة الممكنة من دخوله صراع الأجنحة ولعله لا يخرج منها سالما كما هي حال البلاد حين ذاك، ولأننا نظل نؤمن أن في هذا الجهاز الأمني الكبير كثير من الوطنيين المخلصين الصادقين، الذين يهمهم مصير البلاد كما يهمنا ويعملون من أجل الصالح العام وإن كانت ظروف الوظيفة صعبة ومرهقة.

الجيش في ثكناته هكذا أراد بورقيبة ولكن...
للثكنة والدبابة قصة عجيبة مع البلاد العربية والإفريقية والمتخلفة عموما، فمن الثكنة وعلى ظهر الدبابة خرج علينا المنقذ والمخلص والمهدي المنتظر، ولولا أن النبوءة قد حسم أمرها لوجدنا من تجرأ عليها وأوقع الناس في حبالها، وعلاقة ملك الموت بالدبابة مصيري حاسم فحكامنا يصلون عليها ولا يغادروننا إلا في صحبة ملك الموت! والحالة التونسية وإن كانت أكثر "تحضرا" فقد أوصلت الجيش إلى الحكم والرئيس الحالي أحد جنرالاته المعروفين. لقد ظل الجيش التونسي بعيدا عن السياسة أو يكاد حيث كان الرئيس السابق يهابه ولا يريد له مكانا في الشأن العام ولم تكن دعوته له واستنجاده به في بعض المواقف كثورة الخبز وحادثة قفصة إلا لقمع انتفاضة أو تمرد ثم يعود إلى ثكناته ولا عين رأت ولا أذن سمعت ولا كثير حديث.

وتواصل هذا الغياب وبقي الولاء كاملا من المؤسسة العسكرية للسلطة القائمة دون أي تدخل في الشأن العام رغم بعض الأحداث الصغيرة الأخيرة، فرئيس البلاد منها وإليها ولا مصلحة في الدخول في المجهول. هذه العلاقة من الولاء والمساندة تبدو مرتبطة بشخص الرئيس أكثر من سلطته وحاشيته، وليست هناك مؤشرات واضحة وملموسة في دخول المؤسسة العسكرية في صراع الأجنحة، وليس من صالحها ولا من صالح البلاد ترك الحيادية والوقوف على التماس. غير أن هذا الموقف الحيادي ذاته هل يبقى مستمرا إذا وصل صراع الأجنحة والأسر إلى ذروته مما يدفع البلاد إلى مستنقعات ودهاليز مخيفة؟ هل يبقى الجيش في ثكناته أم ينزل إلى الشارع لإنقاذ البلاد بمباركة خارجية أو حتى داخلية؟ لعل ورقة المؤسسة العسكرية هي الأكثر غموضا، وهذا الغموض لا يخدم بتاتا مشروع التوريث.

الخارج وأجندة المصالح تتواصل...ولكن...
لقد خدمت الورقة الخارجية النظام القائم ولا تزال، وكان لعنصر الخوف والتخويف من الظاهرة الإسلامية البعبع الذي استعملته السلطة بكثير من النجاح، خاصة وأن الحالة الجزائرية قد مرت من هناك، وتواصل حاليا مع قضايا الإرهاب والهجرة السرية. وكانت مصلحة الغرب [الحكومي] بأطرافه جميعا [الأوروبية والأمريكية] تريد استقرارا وأمنا ييسر لها قضاء شؤونها والمحافظة على امتيازاتها دون مشاكل أو تنغيصات، وكان لها ما أراد. وكان تسويق فكرة المعجزة التونسية في الاقتصاد الكلمة السحرية في فتح الأبواب واستمالة الخارج إلى مساندة النظام القائم دون كثير من التعرض للمسألة الحقوقية ومن غياب للديمقراطية.

هذا الموقف المساند للسلطة التونسية، شابته في الآونة الأخيرة بعض المنغصات والمتمثلة خاصة في الموقف الأمريكي الجديد من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، حيث ظهر ولو ببعض المجاملة قلق البيت الأبيض من النتائج ومن سير الحملة. وهذا الموقف على هناته ودون المبالغة في شأنه، يعتبر ناقوس خطر وحديثا غير معتاد، وهو ما صدم السلطة التونسية لأنه يمثل بادرة غير مسبوقة ورسالة ذات نكهة جديدة وموجّهة إلى الحكم الحالي والذي يليه، عنوانها عدم الرضا على الوضع الحالي والتوجس من المستقبل. فالموقف الأمريكي يبدو غير مطمئنا للمشهد العام وغير مقتنع كليا بآليات التوريث ورجاله أو نسائه، وليس مرتاحا للعواقب.

لذلك لا يجب المراهنة على أن ورقة التوريث مقبولة دوليا وأن الغرب لا يرى مانعا منها، بل إن مستوى الفساد والمحسوبية وما يصل القاصي والداني من وقائع مؤلمة وأحوال يشيب لها الولدان عبر الكتب والمقالات وحديث الناس، ومن تذمر الشارع التونسي ولو بصوت خافت ولكنه متصاعد وشامل، يجعل هذه الورقة مهتزة وغير مضمونة الوصول، حيث يبدو كابوس سقوط البلد في الفتن وعدم الاستقرار عاملا لأن تكون ورقة الخارج في ترقب وانتظار وغير محسومة سلفا، أو لعلها حوت أسماء أخرى ومراهنات على شخصيات وعناوين جديدة لم يكشف بعد عن أسرارها.

لكن كل هذه العوامل التي ذكرناها من عدم تجانس الأسر الحاكمة، والغيبة المؤقتة للحزب، والولاء غير المضمون للجيش وجهاز الأمن، وتوجس الغرب، تبقى مرتبطة بأحوال الآخر ووضعه ومصالحه ومراهناته، ولا نملك في بعض الأحيان كثير تأثير عليها [وإن كنت أرى أننا كمعارضة وجماهير قادرون على بعض التأثير الذي سأتعرض له لاحقا]. رغم أنه يجعل قضية التوريث غير محسومة وليست قدرا محتوما حتى وإن علا ضجيجها، لما تحمله من نقاط ضعف قاتلة تفتح الباب على مصراعيه من أجل خيارات أخرى ومبادرات جديدة.

غير أن ثالوثا مثيرا وخطيرا نملك مفاتيحه وعناوينه، يمكن له أن يجعل حقيقة التوريث هباء منثورا وورقة متهافتة وكابوسا لن يرى النور، وهو دور الجماهير والمعارضة المدنية والحركة الإسلامية!

في التغييـر والإصـلاح والمصالحـة [3/5]

الجــزء الثالث : العقبة الكبرى للتوريث : الجماهير والمعارضة والحركة الإسلامية
كما ذكرنا سالفا، فإن ثالوثا يصبغ المشهد العام وله باع طويل في تحديد مستقبل تونس، حتى وإن سعى أصحاب التوريث والجمود إلى التهوين من شأنه أو استبعاده أو تصفيته، وهم الجماهير والمعارضة السياسية، والحركة الإسلامية. وقبل أن نحدد بكل تفصيل المطلوب عمليا من الطرفين الأخيرين في الأجزاء القادمة من هذه الورقة، عبر معطيات وإمكانيات ومبادرات نوعية نطرحها، والتي تمثل منهجا مغايرا وأسلوبا جريئا ونخاله جديدا لتنزيل التغيير والنجاح. قبل ذلك فإننا نطرح في هذا الجزء هذه العقبة الكبرى في مواجهة التوريث، والتي يمثلها هذا الثالوث، وكيفية تفعيله بكل نجاح.

الجماهير التونسية قبول وقابلية أم سكون ما قبل العاصفة؟
إن العامل الجماهيري يبقى حسب نظري المحدد الأساسي في كل معادلة التغيير، وحسب ميولاته وموقفه ترجح الكفة إلى التوريث أو إلى غيره، وهي العقبة الكأداء والمارد النائم والمغفل عنه عمدا، استخفافا به وخوفا منه على السواء.

لقد قلت سابقا وأكرره في هذه الورقة أن فهمنا للجماهير التونسية بقي ضعيفا وناقصا وقاصرا، ويغلب عليه في بعض الثنايا منطق اليأس منه والإحباط. ولعلنا لم نفقه إلى اليوم أن نجاحنا كبديل للحكم القائم يتجاوز منطق الخطب العصامية والشعارات الفضفاضة أو المبادرات المتشنجة، ولكن يتنزل في منهجية شاملة وواعية وصبورة لاستنهاض هذا المارد الساكن ظاهرا والتي تغلي أطرافه بعيدا عن العيون، ومن برنامج معارض موحد واضح المعالم والأفق. هذا المارد الذي تنقصه الثقة في النفس والجرأة على المبادرة والشجاعة للمقاومة السلمية ووجود النخبة الواعية والمسئولة والحاملة لهمومه ومطالبه.

إن الجماهير التونسية، على صمتها الظاهر وانسحابها عن موطن الحدث والفعل، تمثل العقبة الكبرى أمام دعاة التوريث وخوفهم من استفاقته ورفضه للانصياع، ونقطة ضعفهم الكبيرة، وهم يعلمون جيدا هذا المعطى ويقدرونه أشد تقدير، باستبعادهم له والتهوين من شأنه وإفراغه من مضمونه المقاوم والصامد وتنحيته من أي دور مستقبلي له. فالمحسوبية والفساد المنتشر في البلاد وحكايات الأسر الحاكمة وتقاسمها لثورة البلاد، والأفعال المنسوبة إليها والتي تقارب الأساطير والتي لم تشهدها تونس في تاريخها الاستعماري أو بعد الاستقلال، كل ذلك أصبح حديث الناس وشغلهم، ولا يخلو لقاء أو مجلس من الحديث عن آخر هذه المآسي بتعبيرات يغلب عليها النكات والفوازير والضحك الذي يقارب البكاء.

نعم هناك وعي لدى الجماهير التونسية، نعم لها تاريخ من المقاومة السلمية، نعم لها دور تاريخي ولا يزال، نعم لها ثقافة سلبية سعى الاستبداد لترسيخها ولكن ثقافة الوقوف والصمود ليست عنها ببعيد، نعم هناك عقلية مهتزة لكن جوانب الإيجاب فيها موجودة وتنتظر من يسهر على تشكيلها، نعم هناك مخزون إيجابي داخل وعيها ولا وعيها ولا يبحث إلا عمن يسعى لحراكه وتثويره، نعم هناك منظومة من القيم النبيلة والأخلاق العالية قد وقع نبشها ومحاولة الإطاحة بها واستبدالها بقيم السوء والمنكر والعدوان، لكن الأرض لا تزال عطشانة ويمكن ريها طيبا وغرسها طيبا وحصادها طيبا بإذن الله.

إن الجماهير التونسية موجودة وحاضرة وهي كالبركان الصامت ظاهرا ولكن داخله يشتعل ولا تهوين من شأنها ولا تهميش. والمباراة بيننا وبين أصحاب التوريث تتلخص في اجتذاب هذا العامل الجوهري والمحدد، ومن كسبه كسب النتيجة وحمل مشعل التغيير أو الجمود. وبين ما يراد لهاته الجماهير من تقوقع وانسحاب وذل وخنوع ودور الأموات، وبين ما نريد لها من دور فعال وواع في مواجهة التوريث والبقاء على الجمود، يتنزل الدور المسئول والخطير للمعارضة المدنية بطرفيها الحقوقي والسياسي والحركة الإسلامية في نجاح المشوار والمسعى، أو فشله وانهياره.

المعارضة الاحتجاجية
لولا هذا النفر الطيب من الرجال والنساء، من مختلف المرجعيات والأيديولوجيات، والذين عزموا على الوقوف أمام الاستبداد ومقاومته بالسبل المتاحة، لكانت تونس أسوء وضعا وحقوق المواطنة أقل احتراما. إن المعارضة التونسية تحمل ولاشك هذا النفس الطويل وهذه العزيمة الرافضة للخمول والساعية لرفع التحدي، غير أني لازلت أشعر أنها لا تزال لم تستشعر دورها الريادي في عملية التغيير وإنقاذ البلاد ومواجهة التوريث، والذي يحوم حول ثقة لا متناهية في النفس وثقة كبيرة في الجماهير وثقة أكبر في أن قوتها في وحدتها، وأنها قادرة على قلب المعادلة لصالحها، ولها أوفر الحظوظ في ذلك.

سأتعرض كما قلت آنفا إلى تفصيل واف لدور المعارضة المستقبلي، في الأجزاء القادمة، وطرح مبادرات جريئة في هذا الباب، حتى لا يقال أننا نبقى نلوك بكل مثالية حديثا إنشائيا وخطابا ملته النفوس والأذواق [انظر احدى مقالاتي في هذا الباب من مثل " مأزق المعارضة التونسية " 2006]. غير أني توقفت هنا لتبيان رؤوس أقلام للدور الفعال الذي يمكن أن تقوم به المعارضة لإسقاط برامج التوريث والجمود، حتى يبقى حديثنا منهجيا ومرتبا ومستساغ القبول.

لقد استبعدت في تحليلي المعارضة الحقوقية والتي تمثلها جمعيات وطنية ذات قامة ومكانة يسهر عليها خيرة من رجال تونس ونسائها، لاعتباري التمييز بين النضال السياسي وبين النضال الحقوقي، وبين العمل الجمعياتي والعمل الحزبي، فلكل خصائصه وأدواته وإن كان الينبوع واحد والهدف واحد فمن الانسان المواطن ننطلق ومن أجل كرامته نلتقي. غير أن باب التوريث والاستخلاف يبقى ميدان التنافس السياسي، فرأيت أن من مصلحة هذا المواطن المغلوب على أمره أن يجد مكانا آمنا يلتجأ إليه يحمل عنوانا حقوقيا خالصا وأن لا تختلط العناوين واليافطات فيختل التوازن ولا نصل إلى النجاح المرجو.

الحركة الإسلامية، الحاضر الغائب
لعلي أفردت موقعا خاصا وفقرة منفردة لهذا الكائن الظاهرة في دوره المسئول في مواجهة التوريث، لاعتبارات عدة لم تعد تخفى، يدعمها التاريخ والحاضر، من حضور نوعي وخاص صبغته ألوان الدماء تارة، وألوان الزنزانات وأزيز أبوابها تارة أخرى، ومنافي وتشريد وجراح وظلم بواح في كل أطوارها، مع أني لا أخفي ضمور هذا التأثير وتقلص المكانة رغم بقاء شهادة التاريخ قائمة.

الحركة الإسلامية الإصلاحية بكل أطرافها، بأحزابها ومستقليها، بيسارها ويمينها، واقع متحرك وتاريخ جلل يلامس الحاضر ولا يستطيع التخلي عنه لأنها مسؤولية الضمير والقيم، ومسؤولية التاريخ والجمهور، ومسؤولية المرجعية المقدسة التي تحملها، والتي تجعل من كرامة الإنسان فوق كل اعتبار، يفوق منزلة الكعبة، على شرفها ومكانتها عند الله وعند الناس.

فالمسؤولية جلل والتحدي ليس بالسهل، فالتوريث محطته متقدمة وقد حرص على استبعاد الحركة الإسلامية وتصفيتها حتى لا يبقى منغص بهذا الحجم وهذا التاريخ وهذا الزخم، ويبقى الطريق بدون أشواك! والاستجابة لهذا التحدي في مواجهة التوريث يمر عبر قرارات نوعية ومبادرات جريئة، تتماهى بين التكتيكي والاستراتيجي، لأنها لا تقف فقط عند محطة التوريث، ولكنها تتجاوزها إلى منطقة المشروع والبرنامج والتغيير والإصلاح، وستحمل الأجزاء القادمة رؤيتنا العملية في هذا الباب والتي لن تخلو من مفاجآت...

إن دور الحركة الإسلامية في مواجهة التوريث يجب أن يتجلى أولا برفضها القطعي لمنطق التوريث دون مساومة أو تراجع، فمشكلتها ليست مع الأشخاص ولكن مع الآلية والأسلوب، ولو كان المشهد سليما وديمقراطيا فلا يضير الحركة أن يترشح زيد أو عمر مهما كان نسبه وحسبه. وثانيا بخطاب جلي واضح لا يحمل أي ازدواجية أو ضبابية ضده ولا قراءات متعددة، و ثالثا عبر العمل الحضاري الجاد على إبطاله، لتصنع الحدث وتكون قاطرة الرفض والمواجهة المدنية للتوريث وشوكة صعب ابتلاعها وتجاوزها.

في التغييـر والإصـلاح والمصالحـة [4/5]

الجزء الرابع : المعارضة، ندعو إلى تجميد أحزابها والدعوة لمؤتمر إنقاذ
بعدما عالجنا في الأجزاء الثلاثة الأولى المعطيات المتوفرة والإمكانيات الموصولة لمواجهة التوريث نخلص في هذا الجزء والذي يليه إلى المرور إلى طرح مبادرات خاصة عملية تندرج في منهجية مواجهة التوريث والعمل على بناء أصول حركة نوعية متصاعدة من أجل إنقاذ البلاد في ظل عمل واع وممنهج ومسؤول لا يقصي أحدا ولا يهمش أي طرف أيا كانت ضفته ينوي ويسعى من أجل تونس للجميع بحقوق مصانة ودولة قانون.

إن المرحلة التي دخلت فيها البلاد تعتبر بالخطورة بمكان، حيث يبدو جانب المجهول طاغيا ومهيمنا بما يحمله من شكوك وظنون ومخاوف على مستقبل تونس سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا. ولقد مثلت الانتخابات الأخيرة لحظة الصفر لانطلاقة هذا المشوار المخيف نحو المجهول، مما يعظم مسؤولية كل فرد وكل مجموعة تريد الخير لتونس وأهلها. وتعتبر المعارضة الاحتجاجية والحركة الإسلامية احدى الأطراف الأساسية في معادلة التغيير وتحمل على عواتقها مشروع تغيير وتمكين ديمقراطي.

لا تختلف المعارضة التونسية عن المعارضات في العالم في كونها تبحث عن مكان تحت الشمس لتصل إلى منصة التمكين، ولو كان المشهد سليما فإن التنافس الديمقراطي كفيل بأن يعطي لكل ذي حق حقه دون تمييز، غير أن المشهد التونسي لم يبلغ هذه الدرجة وغاص في أوحال الاستبداد وأقصيت المعارضة الجادة وشُيِّد ديكور لمعارضة داخل خيمة السلطان.

الوحدة النضالية : كل يريدها وكل لا يسعى إليها!
العنوان البارز حقيقة في المشهد المعارض هو تشرذمه وغياب وحدته النضالية، والذي يستسمحني القارئ العزيز والإخوة المعارضون أن أتحدث عنه من موقع المسؤولية التاريخية والواجب الوطني والمرجعية المقدسة التي أحملها وحب الخير لهذا الوطن العزيز ومن منطلق الدفع بالعمل المعارض نحو أطر أكثر ثراء وفاعلية، وهي دعوة لا تدعي أستاذية على أحد ولا وقوفا على الأعراف ولكنها وبكل لطف وتواضع هموم يحملها كل مواطن من أجل بناء وطن الكرامة للجميع، وأردت الأخذ بأحد أطرافها للتعبير عنها من خلال هذه المقاربة والمبادرة التي تحملها.

لو أردنا تشخيص حال المعارضة التونسية الاحتجاجية لوجدنا أن هناك خللا متمكنا ومحكما في وضعها وفي تفاعلها مع واقعها، وليس هذا الخلل اكتشافا فريدا أو مفاجآ، فالوحدة والتوحد ظلا شعارا يُرفَع وخطابا يُسَوَّق، فلا يخلو مقال أو ندوة أو لقاء بين المعارضة إلا سمعت الجميع يتحدث بضرورة وحدة المعارضة وأنها السبيل الأساسي لتحريك عملية المواجهة والتغيير نحو منازل أفضل، ثم يعود كل طرف إلى بيته فرحا مسرورا. غير أنه ما إن يختلي كل فريق بأهله وذويه حتى يعيد قراءة واقعه ويهيمن الأنا والطموحات الشخصية والحسابات الحزبية ثم نرى ضمورا لمسألة الوحدة النضالية وخيبات وراءها في انتظار لقاء آخر وموعد جديد مع المعارضة حتى أضحت الوحدة ظاهرة صوتية.

إن منهجية العمل الفردي، اضطرارا أو خيارا، تؤدي إلى منهجية مقابلة من الاستفراد وهذه الصورة شغلت حيزا من أعمالنا، وشاهدنا تجربة تاريخية لها لما وقعت الحركة الإسلامية في قطبية رهيبة بينها وبين السلطة سعيا منها أو فخا منصوبا، وتفردت في المواجهة، فاستُفرِدَ بها وطالتها أيادي التجفيف والاستئصال والمتابعة. وهي منهجية خدمت السلطة ولا تزال من باب فرق تسد والعمل المشتت لا يسمن ولا يغني ويبقى حراكا في مكانه.

لقد كانت تجربة 18 أكتوبر رائدة وفعالة رغم بعض الهنات التي شابتها، لما حملته من وعي ومسؤولية وإرادة تجاه وحدة المعارضة إلا أنها انتهت بانتهاء المناسبة وبخلوها من تأسيس هيكلي للفكرة.

فعمل المعارضة لن يكون فعالا إذا كان تكتيكيا فقط وغابت الاستراتيجيا أو تأخرت، وعمل المعارضة لن يكون جديا إذا كان مناسباتيا، نترقب موعدا أو عيدا أو حدثا لنتفاعل معه ونملأ الصورة والمشهد حتى إذا انطفأت الأنوار وعاد كل طرف إلى ركنه عدنا مع الجميع وغسلنا الأيدي في انتظار دعوة جديدة للحضور...عمل المعارضة لن يكون ذا جدوى وذا فعالية إذا لم تصنع الحدث ولا يبقى تابعا للآخر يفرض عليه أجندته وتوقيته وحتى المكان الذي يتحرك فيه...

عمل المعارضة لن يحمل مصداقية وتجاوبا إذا لم يبتعد عن الشعارات والخطابات الجوفاء المسقطة ويقرر الدخول في بناء البرامج والحلول...عمل المعارضة لن يكون جماهيريا ولن يلتفت إليه الشعب إذا بقي نخبويا يعيش ترفا فكريا وترنيمات البحث عن الديمقراطية والحرية والتعددية وترك مجال الخبز والشعير والرغيف من نوافل القول والعمل.

نحو " حركة من أجل تونس "
إن الوحدة النضالية للمعارضة هي الطريق الوحيد لكي لا تكون ظاهرة صوتية، وحتى تستطيع أن تكون رقما أساسيا في معادلة التغيير والإصلاح، فتغريد بلبل واحد لا يكفي لاستدعاء الربيع! من أجل ذلك اسمحوا لي أن أتقدم إلى المعارضة الاحتجاجية التونسية [والباب يبقى مفتوحا لغيرها] بهذا المقترح الذي يحمل كثيرا من الجرأة ومن الراديكالية، ولكنه يبني على بياض وبوضوح، ولولا غرز الإبرة لما استقام الثوب :

1 / إني أدعو أولا إلى تجميد كل أحزاب هذه المعارضة وأعينها بالإسم: حركة النهضة التونسية، الحزب الديمقراطي التقدمي، حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، حزب التكتل، حزب العمال الشيوعي، واللقاء الإصلاحي الديمقراطي. وليتم هذا الإعلان عبر ندوة صحفية في مشهد إعلامي ضخم يهيأ له بدقة وعناية عبر حملة إعلانية كبيرة تسبقها، وتدعى لها كل وسائل الإعلام. لتحمل رسالة ذات عنوان واحد وهو أن المشهد السياسي المنغلق والمزيف لا يحتمل وجود أحزاب جادة، وإن وجدت فهي مقلّمة الأظافر معاقة التحرك مسلوبة الفعل، بل إن وجودها في حد ذاته يخدم الاستبداد عبر مقولة مغشوشة وخطاب أجوف: الديمقراطية موجودة وخير دليل عنها وأحسن تعبير لها وجود هذه الأحزاب ووجود صحفهم وانعقاد مؤتمراتهم!

2 / إن الدعوة بعد التجميد يجب أن يتبعها مباشرة عقد مؤتمر عام لهذه المعارضة يمثل مؤتمرا للإنقاذ وتفعيلا عينيا وواقعيا ومباشرا لوحدة المعارضة المنشودة، وتشكيلا مؤسساتيا لهذه الوحدة عبر إعلان اسم لها من مثل "حركة من أجل تونس" وتكوين جهاز تسييري [أو مكتب تنفيذي] يجمع ثلاثة أفراد عن كل حزب ولا بأس أن يلتحق به بعض المعارضين المستقلين الذين أثبتوا من خلال مواقفهم وكتاباتهم وحراكهم انتمائهم للصف المعارض، كما يجب أن يفتح الباب لمن يريد من المنتسبين سابقا أو لاحقا للحزب الحاكم والذين أثبت الواقع مدى وطنيتهم ورفضهم لمواقف النظام، ولعل الجناح البورقيبي مهما كانت اختلافاتنا المبدئية مع الرئيس السابق، فإن قبولهم في المؤتمر من شأنه أن يعطيه مصداقية أكثر وتنوعا وشمولية، وليكون بحق مؤتمر الإنقاذ. وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دستور المدينة كل من يريد مواطنة كريمة للجميع، وهؤلاء إخواننا وإن جاروا علينا، وتجمعنا بهم أواصر الدين والوطن.

ولتكن مهمة هذا المكتب التنفيذي للمؤتمر التأسيسي للإنقاذ طرح برنامج عام واضح المعالم بسيط الفهم والاستيعاب شاملا لمطالب التونسيين من مثل :

ـ إفراغ السجون من معتقلي الرأي. والسهر على استقلالية القضاء.

ـ إعلان الجمهورية الثانية بما تعنيه من دستور جديد وإجراء انتخابات حرة ونزيهة على كل المستويات.

ـ إعلان الديمقراطية في البلاد وما تحمله من حريات عامة وتعددية وحقوق المواطنة.

ـ تنزيل العدالة الاقتصادية والاجتماعية بما تعنيه من محاسبات ومراجعات وإعلان الحرب على المحسوبية والفساد.

ـ مراجعة منظومة القيم عبر برمجة جديدة لمؤسسات الإعلام والتربية والتعليم والثقافة والأسرة والطفولة.

ـ طرح علاقة مميزة مع الغرب أساسها حضاري ومبنية على ثقافة التعارف ولقاء المصالح المشتركة وعدالتها بعيدا عن العداء والاستعداء.

3 / بعد كسب هذه الوحدة وتشكيلها المؤسساتي وطرح برنامج جامع لها، يجب تفعيلها وتنزيلها وتجميع الناس حولها، عبر مبادرات ميدانية وإعلامية من مثل الندوات والاعتصامات والحضور على الفضائيات وعلى مواقع النات وغيرها من التظاهرات والمبادرات السلمية.

إن هذه "الحركة من أجل تونس" تتكون ولاشك من أيديولوجيات مختلفة ومرجعيات متعددة، ونحن لا ندعو إلى ذوبان هذه الفسيفساء ولا مسحها وتجميع كل الأطراف في "اتحاد اشتراكي" على الشاكلة المصرية الناصرية عبر حل الأحزاب، ولكنه طرح وقتي يعيش محطة التغيير حتى إذا وصلنا إلى نهايتها وسقط التوريث ووقع التمكين، رُفع التجميد ورجعت الأحزاب إلى إطارها القديم في سياق مشهد سياسي سليم وديمقراطي.

في التغييـر والإصـلاح والمصالحـة [5/5]

الجزء الخامس :الحركة الإسلامية، ندعو إلى عودة الشيخ راشد إلى البلاد
لعل الإخوة في حركة النهضة سيهزهم هذا المقترح ولعل بعض التخمينات تذهب على غير مقاصدها... إنّ الحركة الإسلامية ورقة ذات حدين، إما أن تبحث عن حذفها بظلفها، والمتمثل أساسا في سكونها وتقوقعها أو تذبذب خطابها ومواقفها أو تهميش فعلها أو عدم الثقة في ذاتها أو ابتعادها عن مواقع الحدث، وهو ما يعني موتها ولو بعد حين... وإما أن تصنع الحدث وتكون قاطرة التغيير والدافعة إليه، وهو ما يعني بقائها ووجودها، والمساهمة على استمرار النفس التغييري والمقاوم في البلاد، خاصة وأن الأمر جلل والبلاد على مفترق طريق حاسم، ولم يعد مجديا ولا مسئولا البقاء على الأطلال أو المراهنة على العدم!

إنّ الحركة الإسلامية الإصلاحية كما قلت في الأجزاء السابقة غنية بتنوعها، بيمينها ويسارها، بمنتظميها ومستقليها، إلّا أنّ حركة النهضة تمثل ولا شك الطرف الأكبر والجناح المهيمن وصاحبة التاريخ الأوفى، ولقد ساهمت الحركة الإسلامية ولا تزال في بناء الوعي وتأطير الأمل واستنهاض الهمم والبقاء شوكة في حلق الاستبداد...ودفعت غاليا هذا التواجد وهذه المساهمة من أجل بناء تونس الغد رغم بعض الأخطاء التي حصلت. وهذه محطة في مسار التغيير وليست كل المسار، ومرحلة محددة في سياق مراحل التغيير، وليست كل المراحل، وتجربة محددة في إطار التجارب السياسية بما حملته من صواب وخطأ، وليست هي كل التجربة ولا التجربة الوحيدة ولا الفريدة، و هي تستدعي وجوبا تجارب أخرى! إنّ الأمر كما قلنا خطير ولا مبالغة في ذلك، ويتطلب بكل أمانة تجاوز هذه المرحلة بشعار آخر وعنوان آخر ومنهجية تغيير سلمية أخرى...

لقد تعرضت الحركة الإسلامية إلى خلل قد صاحب مشوارها، وهو يحوم إجمالا حول مواقفها السياسية وقراراتها الحزبية والتنظيمية ومنهجيتها في التغيير، وقد تواترت الكتابات حوله ضمنيا أو بيانا، رغم أن المراجعات الوافية والتفصيلية لم تقع بعد، وهي نقيصة لا يبررها منغصات الواقع أو خصوصية المرحلة، من وجود مهجري ضاغط واستثنائي، أو هيمنة وإلزامات المطلب الحقوقي، أو ما تعرضت له الحركة الإسلامية من مآسي المنافي والسجون والمعتقلات.

ولقد تعرضت إجمالا في كتابات سابقة إلى بعض نواحي هذا الخلل المنهجي، وجذبت طرف الحديث خاصة إلى هيمنة البعد السياسي وضمور البعد الفكري والمعرفي والذي يلخصه ضعف البرامج والبدائل. وقد ساهمت تصفية الحركة وإبعادها قهرا وجورا عن منازل الحدث ونفيها عن أرض الوطن، في تجاوز بعض الأحداث والوقائع لها وبروز بعض الظواهر في غيابها، إلّا أنّ متابعة الواقع التونسي عن قريب وعن كثب لم تنقطع، والتواصل مع شؤون البلاد بقي موجودا رغم الصعوبات والحصار الإعلامي الضاغط. ولعل دخول قضية التوريث على الخط وهيمنتها، وما ينتظر البلاد من أحداث تجعل ولا شك حضور الحركة الإسلامية في مستويات عليا أمرا ضروريا وواجبا شرعيا ومسؤولية وطنية عظمى.

نداء الصحوة: نداء الدين، نداء القيم، نداء المواطنة.
لن نبخس الناس أشياءهم، فإذا كانت الصحوة الأولى في سبعينات وثمانينات القرن الماضي قد غرست جذورها وسقت سنابلها وسهرت على ينع زهورها وطيبة ثمارها الحركة الإسلامية، التي أطرت فكرها وفعلها وساهمت في بروز حالة تدين اجتماعي معتبر، فإنّ الصحوة الثانية قد انطلقت في التسعينات والحركة الإسلامية في عمق الأزمة وشدتها، فكان ظهور التدين ملفتا شبابيا ونسائيا في أرض غير ذات زرع أو هكذا ما كان يتخيله الاستبداد، بعد عملية تجفيف ينابيع التدين في البلاد. فأغلقت منافذ الأرض فجاء الغيث من أبواب السماء، وكانت الصحوة الثانية "صحوة الأطباق" [انظر مقالي "قراءة في العلاقة بين الاسلام السياسي وظاهرة التدين الاجتماعي" موقع "اسلام اون لاين" 2001 ] ورغم بروز هذه الصحوة في غياب الحركة الإسلامية، فإن التأثير غير المباشر للصحوة الأولى بقي قائما عبر ما تركته الحركة من مشاتل وزرعته من جذور طيبة. غير أن تواصل هذا الغياب جعل الصحوة الثانية تقوي عودها بنفسها، اعتمادا على رؤى وإرشادات وفتاوى على الهواء، كان البعض منها مسقطا على أرض غير أرضه ومنبتا عن واقعه. فنشأت الصحوة غير مأطرة بعيدا عن إرشادات علماء الداخل وفي غياب الفكر الإصلاحي للحركة وروادها.

المتابع لوضع الصحوة حاليا ومشوارها منذ انطلاقتها المحتشمة يخرج بتشخيص عجيب، فقد يظهر للعيان أنّ طريق الصحوة لم يكن مفروشا بالورود، فبدأت تنتاب مسيرته مخاوف من بعض الانحرافات التي تستوجب معالجة سريعة وعميقة، حتى لا يقع السقوط وتصبح الصحوة ظاهرة موضة تنتهي بانتهاء فصلها، أو تهوى في مستنقعات القراءت المستعجلة والموهومة فيقع المحظور.

لقد غلب على بعض أطراف الصحوة خطان متوازيان [والحديث غير عام ولكنها ظاهرة ملاحظة] فهي بين مرونة مزيفة تقارب الانحلال، وبين تطرف ومغالاة أنتجته مقولات التكفير والتجهيل. فصارت بعض أطراف الصحوة إلى انفصام بين الشعيرة والسلوك، فيمكن أن تجد صائما نهاره وقائما ليله ولا يتورع من أخذ الربا أو أكل الرشوى أو سوء المعاملة والأفعال. وفي المقابل فإنّ خطا متزمتا يحمل علما مبتورا وقراءة خاطئة ومدفوعا بحالة الجور والاستبداد وغياب الحريات، ومستفَزا من محاربة مظاهر التدين غير المرضي عليه كالحجاب واللحية والقميص، قد خرج رافعا رايته وساع للوقوع في قطيعة مع مجتمعه ولعله الوقوع في المحظور...

ومما زاد الطين بلة أن دخل على الخط في الاقتراب من الصحوة وملامسة مسارها عنصر جديد، فبعد خطة تجفيف منابع التدين في البلاد وفشلها الذي أثبته بروز الصحوة الثانية، أضحت السلطة تقترب بهدوء منها بعدما تبين لها خطورة انحرافها نحو منازل تهدد استقرار البلاد وبالتالي استقراره وبقاءه هو، فمسألة الأمن الداخلي واستقرار المشهد العام يعتبران خطا أحمرا وورقة طالما خدمت السلطة اقتصاديا وخارجيا، ولذلك سعت تحت صخب إعلامي إلى استضافة بعض علماء الصحوة العالميين، والذين كانوا من المغضوب عليهم لوقت غير بعيد، من أمثال الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور سلمان العودة، لمحاولة تغيير الصورة البغيضة التي حملتها تونس تجاه الدين والتدين وتبليغ رسالة إلى الداخل والصحوة خصوصا، أنّ السلطة ليست في مواجهة مع الإسلام "المعتدل". هذا الإسلام الذي بدأت تُطبخ بزاره وملحه منذ مدة على أوتار دخول صهر الرئيس في بوتقة التدين التونسي المالكي الوسط، فكانت إذاعة الزيتونة ولحق بها حاليا البنك الإسلامي، وأصبحت السلطة تلعب هي أيضا ورقة الصحوة في عملية التوريث واستغلال حالة التدين المتصاعدة في البلاد وعدم مواجهة التيار ولكن مسايرته وكسب انتماءه أو حياده.

لنكن واضحين قبل مواصلة الحديث، ليست الحركة الإسلامية الوريثة الشرعية والوحيدة للدين والتدين، وليست المنفردة بحراسة المعبد، وليست رؤاها مقدسة أو أصحابها معصومين، ولكنها تحمل مقدسا ومرجعية تستقي منها اجتهاداتها ومقارباتها المدنية القابلة للخطأ والصواب، فوجود آخرين لإشاعة المعروف والخير بين الناس وخدمة الدين والتدين وحماية الصحوة، أمر مبارك ومحمود ويشجع عليه، ولكننا عليه ثلاث تحفظات:

ـ نعتبر أنفسنا مؤهلين أكثر من غيرنا في ملامسة الصحوة ومشاكلها وآمالاها، فمن نفس الينبوع نستسقي خطواتنا البعيدة والقريبة مما يجعلنا في وفاق وانسجام مرجعي وواقعي معها فيسهل الصلاح والتأطير وتوجيهها الوجهة الحسنة دون توظيف سياسي، من أجل رفاهتها الدينية والدنيوية خدمة لكل المجتمع. وهذا حقنا الذي لا نلزم به أحدا، وإلا فهو تنافس بين كل الأطراف لكسب ودّ الصحوة، وليس في هذا عيب إذا سُمح للجميع بالتواجد والعمل، ولن ترفض الحركة الإسلامية تواجد أطراف أخرى إذا خُلّيَ هي أيضا بينها وبين الناس.

ـ نرى أن هناك تضاربا بين إطلاق إذاعة للقرآن الكريم وإنشاء بنك إسلامي، وبين المواصلة اليومية لمحاصرة الحجاب والتضييق على صاحباته وعلى بعض الشباب المرتادين للمساجد خاصة في صلاة الفجر، وهو تضارب يلغي النوايا الطيبة التي تظهرها السلطة تجاه الصحوة ويلقي بظلال كثيفة حول مصداقيتها.

ـ الإسلام ليس قطعة فسيفساء ولا تجزأة فيه، والإسلام كلّ ووحدة يجعل من كرامة المواطن وحقوقه حجر الزاوية وأساسه الأول ومقصده الأعلى "ولقد كرمنا بني آدم" و "إني جاعل في الأرض خليفة" واحترام الإنسان وحقوقه المدنية يسبق أو لا يقل مكانة من احترام شعائره وطقوسه والتي تشكل جزء من حرياته العامة.

إنّ المشروع الإسلامي وإن لم يكن حكرا على أحد، فإنه لا يجب استأمانه عند كل من شب ودب ودون وصل كبير بأهدافه ومقاصده وفهم لدوره العام الذي يتجاوز منطق الإذاعة الإسلامية والتلفاز الإسلامي والبنك الإسلامي ولما لا العسل الإسلامي! نحن لا نريد مستبدا وإن كان يحمل في اليد اليمنى مصحفا وباليسرى سبحة تعدّ عدد مساجين الرأي والحرية والكرامة.

ليست للحركة الإسلامية مع شخص صهر الرئيس مشكلة ولا عداوة، فإن كان يعمل من أجل تدين معتدل كما صرح بذلك، فله ذلك ولكن ليُسمَح لنا أن نتواجد ونكون طرف خير في هذه المعادلة، فلم تكن الحركة الإسلامية من خلال برامجها وتنزيلاتها، داعية تطرف أو مغالاة، بل كانت ولا تزال تتبنى الوسطية كشعار وارتضت أن تدفع باهظا هذا السلوك الحضاري وإن كانت هناك بعض السقطات المنفردة. ويبقى التدين في مفهومه العام منهجية للتغيير سواء كان تغييرا بسيطا في مستوى السلوك الفردي أو في مستوى ال


2010-04-13