لمــاذا نريد تأجيل الانتخابات؟

 

تعيش تونس هذه الأيام مرحلة حاسمة من تاريخها النضالي والوطني، ومخاضا حساسا نحو المرور الهادئ والرصين من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة. فبعد الثورة المباركة، تتوجه الأيدي والعقول التونسية ولعله لأول مرة بحرية كاملة ومسؤولية عالية لبناء تونس الجديدة، وكان الدستور هو أول هذه المحطات الانتقالية والأساسية الضامنة لبداية هذا المسار الصاعد.

لذا تعتبر هذه المحطة مركزية وهامة في تحديد مصير البلاد لأجيال ولعله لقرون، مما يعظم المسؤولية ويستدعي مساهمة كل الأطراف فردا أو مجموعة وحسب موقعه في تحمل هذا الهمّ الوطني، ولعل الأحزاب السياسية وهي الساعية لتمثيل هذه الجماهير تجد نفسها أمام هذا الموعد الهام وهي تحمل هما مضاعفا لتنزيل التصورات والرؤى السليمة لحماية المواطن حقوق وواجبات والضامن لتواصلها لسنوات طوال.

إن هذا الموعد المصيري يحتاج ولا شك إلى روية ووعي وتريث وإلمام تام وشامل بمستلزمات اللحظة وتبعاتها وتحديات الواقع المتحرك على أكثر من باب. من هذا المنطلق فإن عديد التساؤلات والعوامل تلقي بطرفها على سلامة مسار هذا الموعد الانتخابي وتدفع إلى تأجيله لمزيد إنجاحه والتأكد من ينعه وكمال توفيقه :

* المساواة والإنصاف بين الأحزاب لم يراعى فعديد الأحزاب التي تحصلت على الوصل لم تتسلم بعد تأشيرتها القانونية، مما يجعلها غير مستوفية حقها في الزمان ويعرقل ولا شك مساهمتها في هذه اللحظة التاريخية المتميزة والتي نحتاج فيها إلى أكثر من رأي وتصور.

* كما أن ضيق هذه الفترة لا يخدم مصلحة الأحزاب الصغيرة والجديدة على الساحة والتي منعها الاستبداد من التواجد والتواصل، ولا نظن هذه الفترة كافية لمسح الساحة والتعريف بوجودها زيادة على مشروعها. مما يجعلها مجبرة على المشاركة الرمزية والمحدودة فيكونون ديكورا للعملية الانتخابية وأحد عناوينها المزيفة لتعددية سليمة، أو عدم المساهمة بتاتا وترك الساحة لللاعبين الكبار، فتفقد الانتخابات ميزتها الأولى وهي التعبيرة الديمقراطية والتمثيلية الشاملة للمواطنين التونسيين.

* تشكل الجالية المهاجرة جزء مهما وحاسما في العملية الانتخابية، فزيادة على عددهم المليوني، فإن هذه الفرصة التاريخية لممارسة مواطنتهم كاملة تعتبر هامة وضرورية لتحديد سواسيتهم مع تونسي الداخل. غير أن الموعد المحدد يلمس عطلهم السنوية وعودتهم إلى أرض الوطن وما يتبعه غالبا من مواسم أفراح وأعراس، مما يمنعهم من حق الإنتخاب والتواصل مع الوطن.

* يمثل فصل الصيف غالبا الفترة السياحية بامتياز وموسمها المعروف، سواء سواح الداخل والعائدين لأرض الوطن، أو السياحة الأجنبية العادية، وهو قطاع حساس على أكثر من باب ويستوجب حالة أمن واستقرار عالية، خاصة وأننا نخرج من مرحلة الثورة وما حملته معها من تطورات وحراك. ولعل وجود هذا الموعد الانتخابي الحساس وما يحمله من تنافسات وحراك استثنائي عالي الدرجة، وفي ظل تعامل ديمقراطي ومشهد تنافسي غير متعوَّد عليه، فإن حساسية الوضع الداخلي وما يعبره من مناطق رمادية يمكن أن يطلق الهواجس والتخوفات لدى السياح الأجانب ويعمل على استبعادهم وتغيير وجهاتهم نحو بلدان أخرى، خاصة وأن التنافس في هذا الباب شديد وحساس، والوضع الاقتصادي للبلاد اليوم لا يسمح بهذه المخاطرة بقطاع يشغل عشرات الآلاف بصفة مباشرة أو غير مباشرة وترتزق منه أسر وعائلات كثيرة في كامل البلاد.

لا ننكر أن تأجيل هذا الموعد تقابله مخاطرة الحالة الانتقالية الحساسة، ولكن ميزان إيجابيات التأجيل تبدو أكثر تمكنا، خاصة وأن مقترح التأجيل لا يتجاوز شهرين، حيث نقترح أن يكون شهر أكتوبر أو نوفمبر الأفضل بعد نهاية شهر رمضان وعودة المهاجرين إلى مواطن هجرتهم وانتهاء الموسم السياحي، حتى يتمكن الجميع مرشحون وناخبون من عيش مواطنتهم كاملة وعلى قدر مرتفع من المساواة والإنصاف، وحتى تكون مساهمة الأحزاب في أعلى مستويات الإلمام والتبليغ.

د.خالد الطراولي ktraouli@yahoo.fr

حركة اللقاء الإصلاحي الديمقراطي www.liqaa.net

أفريل 2011


2011-04-05